علي محمد علي دخيل
223
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
في أمور الدنيا الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أي أنزل عليه . ويروى أن النبي ( ص ) قال لأصحابه : أيّ الخلق أعجب إيمانا ؟ قالوا : الملائكة ، فقال : الملائكة عند ربهم فما لهم لا يؤمنون ، قالوا : فالنّبيّون ، قال : النّبيون يوحى إليهم فما لهم لا يؤمنون ، قالوا : فنحن يا نبيّ اللّه ، قال : أنا فيكم فما لكم لا تؤمنوا ، إنما هم قوم يكونون بعدكم يجدون كتابا في ورق فيؤمنون به ، فهو معنى قوله : وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ أي الظافرون بالمراد ، الناجون من العقاب ، الفائزون بالثواب . 158 - ثم أمر اللّه سبحانه نبينا أن يخاطب جميع الخلق من العرب والعجم فقال : قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ أرسلني إِلَيْكُمْ جَمِيعاً أدعوكم إلى توحيده وطاعته واتباعي فيما أؤدّيه إليكم ، وإنما ذكر جميعا للتوكيد ، وليعلم أنه مبعوث إلى الكافة الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ معناه : الذي له التصرف في السماوات والأرض من غير دافع ومنازع لا إِلهَ أي لا معبود إِلَّا هُوَ ولا شريك له في الإلهية يُحيِي الأموات وَيُمِيتُ الأحياء ، لا يقدر أحد على الإحياء والإماتة سواه ، لأنه لو قدر أحد على الإماتة لقدر على الإحياء ، فإن من شأن القادر على الشيء أن يكون قادرا على ضده فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ يعني لم يأمركم بالإيمان حتى آمن هو أولا ، وعليه زيادة التكليف من أداء الرسالة ، وبيان الشرائع ، والقيام بالدعوة وَكَلِماتِهِ أي يؤمن بكلماته من الكتب المتقدمة ، والوحي والقرآن وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ أي لكي تهتدوا إلى الثواب والجنة . 159 - 160 - ثم عاد الكلام إلى قصة بني إسرائيل فقال سبحانه : وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ أي جماعة يدعون إلى الحق ويرشدون إليه وَبِهِ يَعْدِلُونَ أي وبالحق يحكمون ، ويعدلون في حكمهم إنهم قوم من بني إسرائيل تمسّكوا بالحق وبشريعة موسى ( ع ) في وقت ضلالة القوم وقتلهم أنبياءهم ، وكان ذلك قبل نسخ شريعتهم بشريعة عيسى ( ع ) ، فيكون تقدير الآية : ومن قوم موسى أمة كانوا يهدون بالحق . وفي حديث أبي حمزة الثمالي والحكم بن ظهير : ان موسى لما أخذ الألواح قال : ربي اني لأجد في الألواح أمة هي خير أمة أخرجت للناس ، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، فاجعلهم أمتي ، قال تلك أمة محمد ، قال : ربي إني لأجد في الألواح أمة هم الآخرون في الخلق ، السابقون في دخول الجنة ، فاجعلهم أمتي ، قال : تلك أمة أحمد ، قال : ربي إني لأجد في الألواح أمة كتبهم في صدورهم يقرءونها فاجعلهم أمتي ، قال : تلك أمة أحمد . . . قال ربي اجعلني من أمة أحمد وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً أي وفرقنا بني إسرائيل اثنتي عشرة فرقة أسباطا ، بعني أولاد يعقوب ( ع ) فإنهم كانوا اثني عشر ، وكان لكل واحد منهم أولاد ونسل ، فصار كل فرقة منهم سبطا وأمة وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أي طلبوا منه السقيا أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ الانبجاس : خروج الماء الجاري بقلة ، والانفجار : خروجه بكثرة ، وكان يبتدئ الماء من الحجر بقلة ثم يتسع إلى الكثرة ، فلذلك ذكر هاهنا الانبجاس ، وفي سورة البقرة الانفجار . والآية إلى آخرها مفسّرة هناك . 161 - 162 - وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ أي اين شئتم وَقُولُوا حِطَّةٌ معناه : حطّ